بابٌ في أنَّ "نغمةَ" جوَّالِ الرجلِ مئنّةٌ من عقلِه
ولئن قال الصاحب بن عبادٍ: ( كتابُ المرءِ عنوانُ عقلِه، بل عيارُ قدرِه، ولسانُ فضلِه، بل ميزانُ علمِه...) اهـ[اليتيمة (3/282)]

فإن الزمانَ قد استدار، واكتفى الناس بالجوال ورسائلِهِ ، عن الكاغد وصحائفه، أو كادوا !

فلا جرَمَ أن غدت "نغماتُه"؛ شُعاعَ "عقلِ" صاحبِه، فصارت كالمرآةِ، تجلو عن وجه من تأثَّلها وتمثَّلها...فانظُر أيا أُخيَّ "بماذا تُعنْوِِنُ" ...


ويعجبني سمتُ الفتى وبهاؤُهُ...... فيسقُط من عَيْنَيَّ ساعةَ "يُنغِمُ"




وهذه التي تدْعى "نغماتٍ"، من بلايا هذا الزمان، وهي أضربٌ شتَّى:

فمنها كسجعِ الحَمام ...

ومنها كحمَّى السقام...

ومنها كصليل الحسام...

ومنها كقهقهةِ "المَـدَام"(1)...

ومنها كصرصرةِ اللّجام...

ومنها خشخشةٌ بلا انتظام...

ومنها جالبُ منام...

ومنها موتٌ زؤام...

ومنها تمامٌ في تمامٍ في تمام...

وكلٌّ يعملُ على شاكلتِه ...



ولقد قال بعضُ صالحينا ـ وصدق فيما قال ـ : إن تلك النغمات لدالَّةٌ على شخصية صاحبها، إن عقلاً، أو حمقاً...اهـ بمعناه



ولا يذهبنَّ عليك تفاوتُ ما بين الشيوخ والأحداث، غيرَ أنّ البليَّةَ من تشبُّبِ المشيَخَة !

فوربِّنا ما أقبح "الشيخ" يمرُّ بك، سمتٌ وروقٌ، فإذا "رنَّ " جواله فإذا السفاهةُ ناطقةٌ !



ولا يذهبنَّ عليكَ ما بينَ النسورِ والبَغاث، غير أن البليَّة من "تنسُّرِ" الهوامّ !

فيا للهِ ما أقبح أن يمر بك الشخصُ مستأسِداً، فإذا "لَحَنَ" جوَّالُه، فإنما هو تكسُّرٌ وتغنُّج !



ألا فرضيَ الله عن "صاحبِ الدِّرَّة"، وأغاثنا الربّ من هذا المَوَتَان ...



قال أبو عبدالله : ولئن كانَ هذا خارجَ الصلاة، فما القولُ في أثنائها، ولقد قلتَ شيئاً يشبه القريضَ، وليسَ بِهِ :

علمْتُ فساد النغم عند صدورِهِ ....فزايلتُـهُ قبلَ الصـــلاةِ بجوّالي

فصرتُ قرير العين لمَّا كتمتُـهُ.....كذا يفعلُ العبدُ الضعيفُ كأمثالي

والسلام

ـــــــــــــــــ

(1) المَدام: بفتح الميم، زعموا أنها تطلق على المرأة، وهي أعجميةٌ معرَّبة مخرَّبة، وإنما أُقحِمت هنا ليستقيمَ السجع ، فاللهمَّ غفراً!
__________________


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية